محمد جمال الدين القاسمي
78
طبقات مشاهير الدمشقيين من أهل القرن الرابع عشر الهجري
كان يجلّهم إذا صادف وجودهم في مجلس ، ولم يحصل له الإجلال والشهرة الكبرى إلا في بيروت ، حتى صار عند أهلها أول جليل بها ، ولا يزوره أحد إلا ويذكر له ما يبلغه من المنكرات ، فيستغرق مجلسه في ذمّها ولعن فاعلها وتقبيحهم والدعاء عليهم ، وتأخذه الحدة العمرية جدا ، ويظهر من التألم ما لا مزيد عليه . واتفق أن أحد الوجهاء في بيروت صادفه في الطريق فأقبل عليه وقبّل يده ، وكان معه ابنه وعلى رأسه قبعة تشبه القبعة الفرنجية ، فقال له : من هذا ؟ فقال له : ابني ، فقال له : أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ اللّه أكبر ، وصار يكرر عليه ذلك ، فطفق يعتذر له ولا يزيده إلا إنكارا . وكان ينكر عليّ إدخال الساعات إلى الجوامع ويقول : إنها في دقها تشبه الناقوس ، وأنكر مرة على إمام جامع إقراره على امرأة كانت تقعد عند بابه فتحفظ نعال المصلين وأمر بإخراجها . وله في النظر إلى دقائق الأحوال فكر عجيب ، وربما يمرض من كثرة التألم على بعض المنكرات . ولما قدم دمشق مرة وشاهد في مرجتها ما استحدث من القهاوي على جانب بردى تألم وقال : متى كانت دمشق في هذا الحال ، وصار يسترجع ويحوقل ، وكان يسمي بيروت دار الكافرين ودمشق دار الفاسقين ، ولما رحلت إلى بيروت صحبة عمه صفيّنا العلامة المفضال السيد أحمد الحسني سنة ( 1315 ) استقبلنا المترجم إلى محطة الحدث وأعدّ لنا أنفس عجلة « 1 » ، وعمل لنا دعوة عظيمة ، وكنت أشاهد من سيرته وغيرته وهديه أحوالا عجيبة ، وكان يضرب الأمثال بهدي سيدي الجد ، ويترحم عليه كثيرا ، وكان يذكر لإخوانه أنه لم ير من طبقة سيدي الجد مثله ، بل إني ما رأيته أثنى على أحد
--> ( 1 ) أي واسطة نقل .